U3F1ZWV6ZTI0OTA0NTI0MzE4X0FjdGl2YXRpb24yODIxMzM5MDEwMDM=
recent
أخبار ساخنة

المحور الثالث: العلاقة مع الغير

العلاقة مع الغير

إذا كان الإنسان هو صلب الاهتمام الفلسفي منذ ان رفع سقراط شعار "أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك" فإنه سيكون من الطبيعي ان تخصص الفلسفة حيزا هاما من انشغالاتها لعلاقة الإنسان بالإنسان، علاقة الأنا بالغير، تلك العلاقة المركبة التي تتجاوز الجانبين الإبستيمي والأنطولوجي إلى جوانب عاطفية وأخلاقية، تختلف حسب طبيعة الأغيار، وحسب تصنيف الأنا للغير، إما كغير قريب أو كغير بعيد ومن ثمة تتوزع العلاقات القائمة على خلفية هذا التصنيف إلى علاقات إيجابية وأخرى سلبية. 

إشكالات المحور 
ما هي العلاقة الرابطة بين الأنا والغير...؟ 
هل هي علاقة صداقة وتضحية واحترام أم علاقة كراهية وهيمنة وصراع...؟ 

موقف أرسطو 
يرى أن الصداقة إحساس فطري في قلب الإنسان، لا يمكن الاستغناء عنها. إذ يعجز الفرد لوحده أن يكفي ذاته بذاته، لذلك فهو يدخل في صداقات مع الآخرين، ويقسمها أرسطو إلى ثلاثة أنواع :صداقة المتعة وصداقة المنفعة وكلاهما مجرد وسيلة لتحقيق المتعة أو المنفعة مما يجعل هذا النوع من الصداقة، صداقة زائفة زائلة، فهي تزول بزوال المتعة والمنفعة. أما النوع الثالث فهي صداقة الفضيلة، وهي الصداقة الحقيقية لأنها غاية في حد ذاتها -صداقة من أجل الصداقة- فهي تؤسس على محبة الآخر لذاته، مما يجعلها صداقة مبنية على المحبة والوفاء، وهي صداقة دائمة مستمرة. ومن خلالها يمكن أن تتحقق المنفعة والمتعة، ولكن ليس كغاية في حد ذاتها، وإنما كنتيجة ضرورية لهذا الصنف النادر من الصداقة، ويؤكد على أنه لو تحققت صداقة الفضيلة لما احتاج الناس إلى العدالة والقانون. (متى أحب الناس بعضهم لم تعد هناك حاجة الى العدل)

أوغيست كونط 
يدافع عن مبدأ أساسي شعاره الإنسانية والغيرية كمرجعية أساسية للعلاقة بين الأنا والغير. "إن كل شيء فينا ينتمي للإنسانية، وكل شيء يأتينا منها" (الحياة، الثروة، المعرفة، السعادة، الحب،...) ومعنى ذلك أن الإنسان كفرد مهما بلغت مكانته العلمية والمادية والفكرية والجسدية... إلا ويكون محتاجا للإنسانية وهو مدين لها. إذ ما نحن فيه من خيرٍ ونعيم كان سببه هو الغير (علماء، مفكرين، مخترعين، مكتشفين،...).
أما الغيرية فهي تحتوي داخلها مختلف القيم الإنسانية الإيجابية، تقوم على مبدأ تجاوز أنانية الفرد وسعيه وراء تحقيق نزعاته المصلحية والشهوانية الضيقة، والإيمان بضرورة التضحية والحياة من أجل الغير، وهذا لا يمكن أن يتحقق في الحياة الإنسانية دون تقوية وإغناء مشاعر التضامن والتعاطف والحب بين أفراد المجتمع الإنساني. 
قولة أوغيست كونت التي توجه للامتحانات الوطنية "الغيرية التي هي وحدها قادرة على أن تزودنا بأعظم زخم الحياة ... وتمنحنا الوسيلة الوحيدة لتطوير كل الوجود البشري بحرية''

ألكسندر كوجيف 
إن أساس العلاقة الرابطة بين الأنا والغير، لا تتأسس أو تقوم على مبدأ الصداقة أو التضحية، بل على الهيمنة والتحكم والصراع، حيث يسعى كل طرف إلى انتزاع الاعتراف بذاته من الطرف الأخر، وهذا الاعتراف لا يمنح بشكل سلمي إنما ينتزع عبر صراع يخاطر فيه الطرفان معا بحياتهما حتى الموت، ولكن الموت الفعلي من منظور "كوجيف" لا يحقق هذا الاعتراف. وإنما يحققه استسلام أحد الطرفين، فيبقي المنتصر على حياة المنهزم لينتزع اعترافه، ويفضل المنهزم أن يظل في خدمة المنتصر بدل الموت، وبذلك تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى "علاقة السيد بالعبد"، فالانتصار إذن يحول أحدهما إلى سيد والهزيمة تحول الآخر إلى عبد. 

خلاصة المحور 
إن التفكير في العلاقة مع الغير، يكشف عن إشكالية عميقة وغنية في طرحها لهذه المسألة الفلسفية. فالعلاقة بين الأنا والآخر هي علاقة جد مركبة، فالغير على المستوى المعرفي، نجده قد تحدد وفق نظرة تشييئية (سارتر) أو وفق مقاربة تراه من منظور يتوخى الشمولية (شيلر) أو على المستوى العلائقي، حيث نجد الغير قد تحددت علاقته بالذات وفق تصورات عديدة تتأرجح ما بين النظرة الاقصائية والنظرة الأخلاقية الوجدانية والنظرة التي تريد تؤسس العلاقة مع الغير على أسس الحوار والصداقة والتضحية.

الاسمبريد إلكترونيرسالة