recent
أخبار ساخنة

نموذج تحليل نص فلسفي

نموذج تحليل نص فلسفي:






النص:
"...من وجهة نظري يبدو أنه توجد سلسلة مستمرة من الحالات الواعية متصلة بعضها مع بعض، بمقدرتي في أي لحظة أن أتذكر تجارب واعية حدثت في الماضي (...) إن هذا هو العنصر الجوهري في الهوية الشخصية.
السبب يستلزم هذا المعيار بالإضافة إلى الهوية الجسدية هو انه من السهل لي أن أتصور حالات فيها أجد نفسي في جسد آخر عندما أستيقظ من النوم، ولكن من وجهة نظري سأكون متأكدا أنني الشخص نفسه. أنا أحتفظ بتجارب كجزء من السلسلة، فهي تشتمل على تجارب الذاكرة لحالاتي الماضية الواعية .
ادعى"لوك" أن هذه هي الصفة الجوهرية في الهوية الشخصية، وسماها الوعي. ولكن التأويل المتعارف عليه الذي كان يقصده هو الذاكرة (...) وأظن أن هذا ما كان يعنيه "لوك" عندما قال إن الوعي يؤدي وظيفة جوهرية في تصورنا للهوية الشخصية. ولكن بغض النظر عما إذا كان "لوك" يقصد هذا المعنى، فإن استمرارية الذاكرة هي على الأقل جزء مهم من تصورنا للهوية الشخصية."
حلل النص وناقشه



نموذج جواب:
يتأطر النص ضمن المحاولات الفلسفية الجادة والمتعددة، والتي صاحبت وجود الإنسان وسعت على مقاربة الوضع البشري من خلال الإحاطة بالهوية الشخصية والبحث في محدداتها كسؤال فلسفي أزلي، محاولا بذلك الإجابة على الإشكال المتعلق بما إذا كانت هوية الشخص تتحدد وفق الذاكرة والوعي، وذلك من خلال طرح الأسئلة الآتية:
كيف تتحدد الهوية الشخصية باعتبارها ذاكرة...؟ وكيف ينقلب الوعي إلى ذاكرة مع مرور الزمن...؟ وهل سنعيش بدون هويات في حال ما إذا فقدنا هذه الذاكرة...؟

هذه كلها أسئلة سنحاول الإجابة عنها بتحليل أفكار النص موضوع التحليل والمناقشة.

يرى صاحب النص أن ما يحدد هوية الشخص هو الوعي بسلوكاتنا وأفعالنا ومختلف الحالات الشعورية التي تصاحبنا طيلة الحياة، ف "الأنا" الذي يتذكر اليوم فعلا قام به في الماضي، هو نفسه ذلك "الأنا" الذي قام بالفعل حينها، ومن هنا نستشعر مدى قوة الرابطة التي تجمع الإنسان بماضيه وأفعاله السالفة. عن الحياة كتاب مفتوح للتجارب والأحداث، وسلسلة مترابطة من الوقائع التي تبقى جميعها مُختزنة في الذاكرة، فبغض النظر عما إذا أعجبتنا هذه التجارب والأحداث ام لا، فإنها تعلق بذاكرتنا لتطفوا بين الحين والآخر، فتنعكس على سلوكاتنا في الحاضر.

فمثلا، قد تبدر من الإنسان وهو في سن متقدمة تصرفات طفولية تحوله إلى طفل يلهو ويلعب ويصرخ كباقي الصغار. إن الذي يقوم بتلك الأفعال ليس هو، بل هو ذاك الطفل الجاثم فيه، بداخله، والذي يتحين الفرصة لينفلت ويعبر عن نفسه، وقد نتساءل: أين تكمن روح الطفولة فينا...؟ إنها كامنة في الوعي الداخلي للشخص، فوعيه قديما بما كان يقوم به قد انقلب مع الزمن على ذاكرة تزخر بالأحداث وتحفل بالوقائع الماضية وهي ما يحدد الجزء الأهم من هويته إن لم نقل كلها.

هكذا إذن تصور صاحب النص الهوية الشخصية، وهو التصور الذي يجد صداه في أطروحة "جون لوك" فالارتباط بالماضي عبر الذاكرة المتواصلة هو الذي يشكل هوية الشخص، بل ويمنحها القوة ويجعلها ثابتة رغم تغير الظروف أو الزمن والمكان، فمنذ سنوات كنت أجري وألعب بكل براءة، وأنا نفسي أكتب الآن، وسأبقى أنا بعد مرور سنوات أخرى، ووعي بما قمت به في الماضي وما افعله الآن أو ما سأقوم به غدا هو ما يمنح لهويتي قوتها وثباتها، وهو ما يحددني كشخص له ردود أفعاله الخاصة وتصوراته الشخصية سواء اليوم أو بالأمس. 

إن الوعي الذي تحدث عنه "جون لوك" وعي بجميع ما يتعلق بحياة الإنسان، وعي يسيطر علينا ويصبح ذاكرة ضاربة في عمق الماضي وممتدة عبر الزمان والمكان.إن تماسك النص موضوع التحليل والمناقشة راجع بالدرجة الأولى إلى تبني صاحبه بموقف "جون لوك" الذي يعتبر أن الذاكرة المقترنة بالوعي هي العنصر الجوهري في هوية الشخص، هذا إضافة إلى الأساليب والحجج اللغوية التي دعمت أطروحة صاحب النص، ومنها:أسلوب النفي: "ولكن بغض النظر..."، "ولكن من وجهة نظري..."، كما اعتمد على أسلوب التأكيد: "إن استمرارية الذاكرة..."،"إن هذا العنصر الجوهري في الهوية الشخصية ..."
لكن، قد تنفلت منا خيوط الذاكرة، ونفقد القدرة على الإدراك والوعي بما نفعله في حياتنا، فهل سنبقى عندئذ مشردين ضائعين بلا هويات تميزنا...؟ أم أن هناك شيء ما يحدد هوية الإنسان بعيدا عن الوعي والذاكرة...؟

إن تاريخ الفلسفة حافل بالمواقف والأطروحات الفلسفية التي تؤيد بعضها أو تتعارض فيما بينها. فلنعُد إذن قليلا على الوراء لننبش في هذا التاريخ بحثا عن مواقف أخرى تغني النقاش حول محددات حول محددات الهوية الشخصية وتبحث في هذا الموضوع من زاوية أخرى تختلف عن تلك التي نظر فيها صاحب النص.

ففي سياق آخر، يذهب "شوبنهاور" إلى انه ثمة بداخل كل واحد شيء ثابت لا يتغير رغم كل ما قد يصيب الإنسان من مرض أو جنون أو تلف للذاكرة، هذا الشيء الراسخ بدواخلنا والمتحكم فينا، هو ما سماه "شوبنهاور" بالإرادة، أو إرادة الحياة، فقد نشيخ ونكبر، أو نسافر من مكان إلى آخر، أو قد نتعرض لحادث ما، ولكن إرادتنا في العيش وسط الحياة بكل تجاربها وأحداثها، تبقى كما هي صامدة أمام كل التغيرات، في حين قد تنهار الذاكرة أو قد يُرخي عليها النسيان ظلاله فتمحى منها الأفعال الماضية ويتلاشى وعينا بماضينا وحتى بحاضرنا، ولا تبقى حينئذ سوى الإرادة الحية القوية التي من اجل خدمتها سُخر العقل.

من جهة أخرى يعتبر "ديكارت" أن العقل هو ما يحدد هوية الشخص، وبالضبط، يقصد التفكير التأملي في كل شيء بدءا من وجود الإنسان، لقد أوقف ديكارت حياة الإنسان على عملية التفكير المنهجي، فالعقل الديكارتي قادر على إثبات وجود الإنسان وتحديد هويته الشخصية في منأى عن ما يحدث للشخص أو ما يمر به من تجارب وأحداث.

من خلال ما سبق يتبين لنا مدى صعوبة الوقوف عند ما يحدد هوية الشخص بدقة، فالمواقف متضاربة والتصورات مختلفة ومتعددة، وتبقى الذاكرة أحد العناصر الجوهرية المحددة للهوية، كما يلعب العقل دورا مهما في حياة الإنسان باعتباره محرك الفكر الإنساني، لكن تبقى الإرادة حاضرة في غياب جميع هذه العناصر المهددة بالتلف والضياع، إن الإرادة شيء واسع بداخل كل منا، لا تتأثر بالمرض أو الجنون، ولا بتغير الزمان والمكان، إنها الوسيلة المثلى ليصل الإنسان إلى هويته ويعثر عليها وسط هذا الزخم من الهويات المتصادمة في ظل الصراع بين الأنا والآخر وفي خضم صراع الثقافات ورهانات العولمة.
google-playkhamsatmostaqltradent