recent
أخبار ساخنة

فرويد ومدرسة التحليل النفسي: ذ عبد الغاني الرامي



عرض حول
فرويد ومدرسة التحليل النفسي

إعداد وتقديم: ذ عبد الغاني الرامي

حينما حاول علماء النفس تحديد ميدان دراستهم ومجال أبحاثهم اختلفوا وتفرقوا شيعا ومذاهب لأن الواقع النفسي غني ومتشعب. فمن أين نبدأ ومن آي أفق نطل عليه ليتضح لنا معالمه وثوابته، إذ نجد أنفسنا أمام اتجاهات متفاوتة كل يحاول أن يفهم الواقع النفسي فهما خاصا، يقول د.فاخر عاقل في الصفحة 51 من كتابه "مدارس علم النفس" "...هذا التشعب والتنوع في الظواهر النفسية يصعب علينا اختزاله إلى ظاهرة نمو ضعها كمادة للدراسة العلمية، كما يصعب إخضاعها إلى منهج موحد لفهما وطريقة واحدة لتفسيرها، ولعل هذا ما يفسر لنا تعدد المدارس السيكولوجية واختلاف المناهج التي اصطنعتها حسب الجانب النفسي الذي اختارته كموضوع للدراسة..." ولكن ما يهما في هذا الموضوع هو مدرسة التحليل النفسي حيث نجد ان هذه المدرسة قد شقت طريقها في اتجاه مخالف لكل المدارس، حيث ارتأت ان الظاهرة النفسية التي يمكن ان نرجع إليها غيرها من الظواهر ليست الشعور أو السلوك او الصيغة المعطاة في مجال إدراكي معين بل هي الحوادث اللاشعورية من نشاط الإنسان النفساني، الشيء الذي يستعصي على المتأمل تحديده لأنه لاشعوري ولا يمكن ملاحظته ومراقبته لأنه غير ظاهر، وحتى عندما يعبر عن نفسه فان ذلك يكون بطريقة رمزية، ومن ثمة يرى فرويد كما جاء في الصفحة 48 من كتابه حياتي والتحليل النفسي "...التحليل عمل يتضمن فنا تأويليا لابد للنجاح في استخدامه من لياقة ومران..."
ليس سيغموند أول من انتبه إلى الحوادث اللاشعورية فقد سبقه إلى ذلك مفكرون آخرون مثل ليبنز وشوبنهاور وغيرهما، بيد ان الفضل في إقامة بنيان كامل يقوم على اللاشعور ويرد كل حادث أو سلوك إلى هذا القسم الكثيف من الحياة الإنسانية يرجع بالذات إلى الطبيب النمساوي سيغموند فرويد. إذن كيف يتصور فرويد الواقع النفسي...؟
فقد بدأ فرويد حياته طبيبا يعالج الأمراض العصابية وكان الرأي السائد آنذاك ان الاضطرابات والانحرافات التي تحدث في سلوك بعض الناس وتسلمهم إلى حالات مرضية مردها إلى آفات تصيب الجهاز  الفيزيولوجي أو العصبي، وعن طريق التنويم المغناطيسي اكتشف فرويد أول الأمر أن بعض مرضاه يبوحون بأسرار ويرددون حكايات لا ترد أثناء استجوابهم في حالة الصحو، عند ذلك افترض ان هناك جملة من الدوافع والميول والرغائب تزخر بها حياتنا النفسية، بعضها يكتب له التحقيق فيروى إرواء مباشر او غير مباشر، وبعضها يصادف في طريقه حواجز وعوائق تحول بينه وبين التحقق والارتواء.
إذن أين تذهب هذه الميول والرغائب التي حيل بينها وبين التحقق...؟ هل تموت وتفنى...؟ كلا، إنها تكبت وتنزوي في منطقة معينة من حياتنا هي ما يسميها فرويد باللاشعور وقد أقام فرويد طبقته الخاصة المعتمد على اكتشاف الوعي باعتماده على نقطتين هما اللاوعي والجنس بدراسة الأفكار التي تخطر إلى خاطر المريض خلال حصة العلاج بدون توجيه وبكل حرية، ويرى فرويد ان الحصول على الشفاء هو بالأخذ واسترجاع الذكريات المكبوتة والمؤلمة، فحسب نظريته يكون الشفاء عن طريق خروج الكبت، فان كان التنويم المغناطيسي يعتمد على الإيحاء، فإن التحليل النفسي يتوجه إلى العقدة لاقتلاعها.
إن اللاشعور، أو اللاوعي، حسب مدرسة التحليل النفسي، هو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا سواء منها السوية أو الشاذة. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول بأن الشخصية في تصور فرويد بمثابة "جبل الجليد ": أي أن ما هو خفي أضخم بكثير مما يظهر. فكيف يتشكل اللاشعور ...؟
يعتقد فرويد أن بناء شخصيتنا يتكون من ثلاثة مكونات، العلاقة فيما بينها هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية، وهذه المكونات هي:
§       الهو "الشهوات والغرائز": وهو نسق سيكولوجي يتألف من المكونات الغريزية والدوافع والانفعالات الموروثة. ويتمركز الهو حول مبدأ اللذة أو ما يصطلح فرويد على تسميته بنزعة الليبيدو. لأن همه الأساسي هو الحصول على اللذة ودفع الألم، حيث لا يعرف معنى التأجيل. ومن خصائص الهو أنه بعيد عن المنطق والعقل لكونه يتصف بالتهور والاندفاع، ولا يتمثل السيرورات المنطقية والأخلاقية … إلخ.
§       الأنا الأعلى "القيم والمثل الأعلى": هو بمثابة الأب الذي ينظم ويوجه سلوكات ذلك الطفل العنيد "الهو" أي هو ذلك النظام النفسي الذي يمثل جميع القيم الأخلاقية والعادات الاجتماعية. ويتشكل الأنا الأعلى بفعل الأوامر والنواهي (التربية)، ومنه نستوحي ما ينبغي وما لا ينبغي القيام به. وهو ما يماثل في حياتنا النفسية مفهوم المثالية الأخلاقية، وما يقابل في الاصطلاح الأخلاقي العادي مفهوم الضمير.
§       الأنا: هو نظام سيكولوجي يتصف بالتعقل والرزانة والحكمة. ومن ثمة، فإنه يتمركز حول مبدأ الواقع، وهمه الأساسي هو تلبية رغبات الهو بشكل يتلاءم مع الواقع ولا يثير غضب الأنا الأعلى.
إن الأنا إذن يوجد في بؤرة الصراع بين ضغط الهو، ورغبات الواقع، ومتطلبات الأنا الأعلى من هذا المنطلق نفهم لماذا تقرن الفرويدية الشخصية السوية بقوة الأنا. فالرغبات التي لن يستطيع الأنا تلبيتها فإنه يعمل على كبحها ثم كبتها في اللاشعور هكذا يتشكل اللاشعور ويتضخم، ولكي يتشكل الأنا بصورة جيدة لابد من إحاطة الطفل بتربية واعية وتفهم واضح لمراحل النمو الجنسي لديه (المرحلة الفمية، المرحلة الشرجية المرحلة القضيبية، مرحلة الكمون، المرحلة التناسلية)، والعمل على كبت العقدة الأوديبية بطريقة سليمة هكذا نستطيع القول بأن الأنا يوجد كذلك تحت ضغط مكبوتات اللاشعور لأنها تظل يقظة، وتتحين الفرص التي تضعف فيها رقابة الأنا لتخرج إلى السطح. والمرض النفسي (اضطرابات الشخصية) عبارة عن تدفق مكبوتات اللاشعور، وتصريف مفضوح لرغبات الهو... وحتى لاتصل الشخصية إلى هذه المرحلة الحرجة، فإنها تلجأ (للتخفيف من حدة التوتر النفسي) إلى ميكانيزمات دفاعية (مثل الكبت، والتبرير، والتقمص، والإسقاط، والنكوص، والإعلاء...الخ).

 كما أن التحليل النفسي يعتبر في حد ذاته منهجا علاجيا، وإعادة تربية ويعتمد التحليل النفسي، من أجل سبر أغوار اللاشعور، على عدة طرق، أهمها: التنويم المغناطيسي، والتداعي الحر، وتحليل وتأويل تجليات اللاشعور (الأحلام، فلتات اللسان، زلات الأقلام، النسيان ...الخ)
إن نظرية فرويد في اللاّوعي تميز بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، وحقيقة السّلوك. ففعليّة السّلوك تعني الأفعال والأعمال الّتي يقوم بها الفرد، بما هي أفعال وأعمال خامّ وظاهرة، أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه فأنا، مثلا، قد أقوم بعمل ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة : وهذا الفعل فعلي، من دون شكّ، وسلوكي، إلاّ أنّ حقيقته وما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العمل الذي قمت به ليست فحسب تلك الظّاهرة بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو الهُوَ"، فأنا هو الّذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب لكن فعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذّات. فنظريّة فرويد ترى بأنّ " الذّات ليست وعيا فقط " وإنّما هي " وعي وهُوَ " أي أنها وعيان اثنان (وعي أول ووعي آخر)؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع انّه هو الأصل فيه !!؟
إن منهج التحليل النفسي كغيره من مناهج البحث في مختلف العلوم يعتمد على الطريقة العلمية، فهو يُعد من أهم مناهج علم النفس وأكثرها استخداماً لاسيما في مجالي علم النفس الإكلينيكي والصحّة النفسية، فهو منهج له موضوعية علمية، وله أهميّة تكاملية في دراسة النفس البشرية بوجوه نشاطاتها وإبداعاتها كافّة، كما وله أهمّية في دراسة الآثار النفسية على الأعمال الأدبية والأساطير والفنون والشعوب وغيرها، إلى جانب أهمّيته في علاج الأعصبة، وحديثاً علاج الأمراض الجسديّة. وبدونه ما كان للتحليل النفسي أن يصل إلى ما وصل إليه من اكتشافات حاسمة في ميدان الأمراض النفسية والعقلية. ويُعد أسلوب التداعي الحر Association Free أحد أدواته المهمّة، إذ تُعد القاعدة الأساسية لعلم النفس التحليلي، وقد ابتدعها فرويد بالاشتراك مع صديقه الطبيب النمساوي (جوزيف بروير).

إن الافتراض الأساسي الذي يدور عليه منهج التحليل النفسي، هو أن السلوك الإنساني والظاهرة النفسية كلاهما محكومان في كثير من الأحيان بقوىً لاشعورية، ولّدتها مجموعة من الذكريات المؤلمة التي كُبتت في اللاشعور في أثناء مراحل النمو الأولى من حياة الإنسان، سواء كان موضوعها حقيقياً أم خيالياً، وهذه الذكريات المكبوتة كما يرى فرويد هي مصدر لكل العُصابات والأمراض النفسية اللاحقة، وأن عملية الكشف عنها، وعملية استجلابها إلي شعور صاحبها هي المفتاح الأساسي لفهم سلوكه وضبطه والتنبؤ به، ومنهج التحليل النفسي هو أنسب وأنجح المناهج العلمية لتحقيق ذلك، ولعلّ النتائج التي خرجت بها دراسات علم النفس الإكلينيكي خير دليل على نجاح هذا المنهج ومصداقيّته، كما أن تطابق نتائج الدراسات النفسية التي أخضعت لكلا المنهجين(منهج التحليل النفسي والمنهج التجريبي) في حالة التمكّن من ذلك، دليلٌ آخرٌ على مصداقيّة ودقّة هذا المنهج، فعلى سبيل المثال، إن سهولة استعادة الاستجابة المنطفئة على نحوٍ ما تبدو من تجارب علماء النفس التجريبيين ليست هي إلاّ تعبيراً واضحاً عن ظاهرة التثبيت
Fixation  التي اكتشفها منهج التحليل النفسي

google-playkhamsatmostaqltradent