مفهوم الاغتراب

الاغتراب
حيدر حاج إسماعيل


الاغتراب alienation لغة: النزوح عن الوطن، والزواج في غير الأقارب. وللاغتراب معان أخرى منها الحقوقي القانوني، والنفسي، والاجتماعي، والديني، وتبعاً لهذه المعاني ولمعايير أخرى اتخذ مفهوم الاغتراب أنماطاًً عدة اختلف كتاب القرنين التاسع عشر والعشرين في تصنيفها. ميز فردريك ويز Fredrick Weiss مثلاً ثلاثةة أنماط للاغتراب، وإرنست سكاشتل Ernest Schatchel أربعة أنماط، وملفين سيمان خمسة أنماط، بينما ذكر لويسس فيور Lewes Feuer ستة أنماط، انحصرت جميعها في:
العجز، أي الشعور بأن مصير الإنسان ليس في يده.
 اللامعنى، أي الحياة المعدومة الهدف.
ـ اللامعيار، أي عدم الالتزام بالمعايير السائدة.
ـ العزلة الثقافية، أي الانفصال عن قيم المجتمع.
ـ العزلة الاجتماعية، أي الشعور بالوحدة.
ـ الغربة الذاتية، أي انفصال الذات عن ذاتها أو منتوجاتها.
وقد وجد الاغتراب تعبيره الأول في الفكر الغربي وذلك في تصور العهد القديم للوثنية idolatry. كما يمكن الوقوع على جذور فكرة الاغتراب في كتابات أفلوطين وفي المذهب المسيحي حول فكرة الخطيئة الأصلية وفكرة الخلاص، كذلك عند القديس أوغسطين ومارتن لوثر. إذ كان الاغتراب يعني الجهاد لفصل الذات الإنسانية عن نواقصها بجعلها في حالة هوية مع كائن متعال (الإله).
وتجدر الإشارة إلى أن الاغتراب الذاتي هو أهم تلك المفهومات وأصعبها. وانطلاقاً من ذلك يتساءل المرء: هل الاغتراب شعور أو هو حالة عقلية أو هو حقيقة موضوعية أو حالة وجوية (اقتصادية، سياسية، اجتماعية،،  أخلاقية)؟
ويرى فرويد Freud الاغتراب في شعور الانفصام بين الذات الواعية وقوى اللاوعي الدفينة فيها. مع العلم أن الفرد تحرك سلوكه الرغبات المكبوتة. ويرى غوين نيتلر Gwynn Nettler أن الاغتراب حالة نفسية من حالاتت الإنسان السويّ: فالإنسان الاغترابي هو الذي يكون غريباً عن مجتمعه أو الذي حوّل إلى إنسان ذي علاقة غير ودّية بمجتمعه وبثقافة ذلك المجتمع. وفي السياق نفسه يعتقد موري ليفن Murray Levin أن الصفة المميزة للإنسانن الاغترابي هي اعتقاده أنه غير قادر على تحقيق رسالته الصحيحة في المجتمع. أما إريك Eric وماري جوسفسونن Mary Josephson فيريان أن الاغتراب هو شعور فردي أو حالة انفصال عن الذات وعن الآخرين وعن العالمم أجمع. أما الاغتراب عند جين كالفز Gean Calvez فهو تعبير عن نمط وموقف استنكار الذات المطلقة للعالمم المادي الواقعي. في حين يرى الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر J.p.Sartue الاغتراب حالة طبيعية في عالمم فاقد الهدف والقصدية. فاللامعقول absurd، عند الفلاسفة الوجوديين عموماً وسارتر على الخصوص، مقولة أساسية. والاجتماعيون مثل إميل دوركهايم Émile Durkheim وفرديناند تونز Ferdinand Tonies ثم ماكس فيبرر Max Weber وجورج سيمل Georg Simmel أو أصحاب نظرية «مجتمع الجمهور» يرون محل الاغتراب في المجتمع. ودور كهايم يشرح فكرة anomie المشتقة من تعبير anomia اليوناني الذي يعني تحلل الفرد من كلل رباط وقانون، ثم يرى الاغتراب في انحلال العُرى الاجتماعية، بسبب التصنيع وزوال المجتمع التقليدي وقد أشارر فيبر، في شرحه لظاهرة الاغتراب، إلى التحول الأساسي نحو العقلنة والصورية، الذي أصاب التنظيم الاجتماعي وإلى نقص العلاقات الشخصية وزيادة العلاقات البيروقراطية وتحدث سيمل عن التوتر في الحياة الاجتماعية بين الذاتي والشخصي من جهة والموضوعي اللاشخصي من جهة أخرى.
وقبل هؤلاء الاجتماعيين وصف فلاسفة «العقد الاجتماعي» هوبز Hobbs ولوك Lock وروسو Rousseau ما أصاب الفرد من خسران لبعض حقوقه في الدولة الحديثة والمجتمع الجديد غير التقليدي. فروسو، بصورة خاصة، يرى المجتمع المنظم، سواء أكان تقليدياً أم حديثاً، محلاً للقضاء على شخصية الإنسان وحقوقه الطبيعية. ويذكر في بداية كتاب «إميل» أن كل شيء يكون خيراً عندما يخرج من يد الخالق، لكنه يفسد عندما تمسه يد الإنسان. وكان يقصد ما صنعه البشر من مدنية فصلت الأفراد عن طبيعتهم السليمة ووجودهم الحقيقي. غير أنن فكرة الاغتراب الذاتي لم تلق تحديدها الدقيق إلا على يد الفيلسوف الألماني هيغل وبعده فويرباخ Feuerbach وماركس Marx.
والفكرة الأساسية، في فلسفة هيغل، هي أن كل موجود هو (في التحليل الأخير) الروح المطلق (الإله) أو الفكرة المطلقة (العقل المطلق). الفكرة المطلقة تتخارج أي تعبر عن ذاتها في التاريخ بتعبيرات مختلفة. وهي ذات حركة مؤلفة من الاغتراب (الانفصال) واللااغتراب (اللاانفصال). فالطبيعة هي مجرد اغتراب ذاتي للفكرة المطلقة والإنسان هو المطلق في عملية الاغتراب. والتاريخ كله نمو متواصل للمعرفة الإنسانية بالفكرة المطلقة وفي الوقت نفسه هو تطور للمعرفة الذاتية بالمطلق الذي يصير، من خلال العقل المتناهي، مغترباً. ومن خصائص هذا العقل الإنساني أن ينتج أشياء أو أن يعبر عن ذاته في أشياء ومؤسسات اجتماعية وثقافات. وكل شيء من هذه الأشياء (الشيئية objevtification) هو بالضرورة مثل عن الاغتراب.
في «روح المسيحية ومصيرها» يكتب هيغل ما يلي: إن المصير هو وجود الإنسان أي حياته وأفعاله وقد صارت غريبة عنه. ويقول في موضع آخر: المصير هو وعي الذات وعياً لذاتها تبدو فيه عدوة أو آخر غريباً عنها. وفي المجلد الأول من «فلسفة الواقع» يصف هيغل النظام الاقتصادي الرأسمالي بأنه يفصل ما بين العامل المنتج وإنتاجه، يقول: الفرد يشبع حاجاته بعمله لا بنتاج عمله. تلك هي فكرة الاغتراب الاجتماعي ـ الاقتصادي في وجهيها الإيجابي والسلبي. ويقبل لودفيغ فويرباخ فكرة هيغل، أن الإنسان مغترب عن ذاته، لكنه يرفض فكرة أن الطبيعة هي شكل من أشكال الاغتراب الذاتي للعقل المطلق وأن الإنسان هو العقل المطلق في عملية التحرر من الاغتراب. وفي رأيه أن الإله هو الإنسان المغترب اغتراباً ذاتياً وليس العكس أي ليس الإنسان هو الإله (العقل المطلق المغترب اغتراباً ذاتياً)، الإنسان يغترب عن نفسه عندما يوجد فوق ذاته كائناً أعلى متخيلاً وينحني أمامه كالعبد. فتحرر الإنسان من الاغتراب dealienation يكون بإلغاء الإنسان المغترب (الإله).
أثنى كارل ماركس على هيغل لأنه أدرك أن الخلق الذاتي للإنسان هو عملية اغتراب وتحرر من الاغتراب. لكنه التقيد في ثلاث قضايا:
 1- لأنه وحد الموضوعية مع الاغتراب وعدّ القضاء على الاغتراب هو إبطال هذه الموضوعية.
 2- لأنه عدّ الإنسان واعياً لذاته وعدّ اغتراب الإنسان اغتراباً لهذا الوعي.
 3- لأنه افترض أن القضاء على الموضوعية والاغتراب يكون ممكناً في نطاق الفكر المجرد فقط.
كذلك وافق ماركس فويرباخ على نقده للاغتراب الديني لكنه أوضح أن هذا الاغتراب ليس إلا واحداً من أشكال الاغتراب الأخرى. فالإنسان لا يتغرب فقط عن جزء من ذاته في صورة إله بل هو يتغرب أيضاً في منتوجات نشاطه الروحي الأخرى في صور الفلسفة والفن والأخلاق وغيرها. كذلك هو يتغرب عن منتوجات نشاطه الاجتماعي في صورة الدولة والقانون والمؤسسات الاجتماعية التي تبدو أمامه مستقلة وهو يقف أمامها عبداً. لكن جميع أنماط الاغتراب هذه هي واحدة إذ أنها تعبير عن مظاهر مختلفة لاغتراب ذات الإنسان عن جوهره الإنساني. 
ويشرح فروم Erich Fromm مفهوم ماركس للاغتراب بقوله: «الاغتراب لدى ماركس هو أن الإنسان لا يختبر نفسه ككائن فاعل في إدراكه العالم بل إن ما يختبره هو أن (العالم) الطبيعة والآخرين وذاته نفسها تظل غريبة عنه فهي تنتصب فوقه وضدَّه كأشياء على الرغم من أنها من صنعه. الاغتراب هو، جوهرياً، معاناة العالم والذات سلبياً واستسلامياً كذات منفصلة عن الموضوع».
وهربرت ماركيوز الذي يعد أحد كبار المفكرين الماركسيين ـ الهيغليين يرد الاغتراب في المجتمع الصناعي الرأسمالي إلى العقل العلمي عامة والعقل التكنولوجي خاصة. فالتكنولوجية غرَّبت الإنسان عن إنتاجه لدرجة تحول فيها الإنسان إلى إنسان أحادي البعد.
أما ماركس فهجر فكرة الاغتراب في كتاباته المتأخرة في سن النضج على الرغم من أنها كانت من أهم أدوات تحليله في كتاباته الأولى في سن الشباب ولاسيما في كتابه «المخطوطات الاقتصادية والفلسفية».

وفي كتابه الأهم «رأس المال» يتحدث بدقة عن الانفصال بين العامل والبضاعة التي ينتجها والتي تصير ملكاً خاصاً للرأسمالي. وهو وصف للاغتراب لكن باسم جديد هو علاقات الإنتاج الاجتماعية الطبقية الاستغلاليةة بين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال، أو الملكية الخاصة إذا استخدمت اللغة القانونية. والملكية الخاصة لا تسببب اغتراباً فقط للعمال بمعنى انفصالهم عن إنتاجهم بل استلاباً لذلك الإنتاج أيضاً وضياعاً. ولا يتحقق التحرر من كل ذلك إلا بثورة البروليتارية (العمال). 


شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes