أخطاء التلاميذ في الإنشاء الفلسفي

أخطاء التلاميذ في الإنشاء الفلسفي

إن السنة الثانية من سلك الباكالوريا هي سنة إبداع بالنسبة للتلميذ في مادة الفلسفة، ويتجلى هذا الإبداع في اكتسابه السابق لمجموعة من المهارات الفكرية والقدرات العقلية التي تمكنه من كتابة إنشائية تتوفر على المواصفات والشروط المطلوبة.
إن التلميذ مطالب في هذه السنة بالكتابة المقالية، التي يشتغل من خلالها على تحليل نص فلسفي ومناقشته، أو قولة مرفقة بسؤال يستدعي في الغالب استخراج أطروحتها ومناقشتها، أو الإجابة عن سؤال فلسفي مباشر. والإجابة تتطلب في جميع الأحوال كتابة موضوع إنشائي يجسد فيه التلميذ مجموعة من المهارات سواء اللغوية أو المنهجية أو المعرفية.      
انطلاقا من هنا، ومما خبرناه في تجربتنا المباشرة مع التلاميذ، فإننا نلمس فعليا وبشكل واضح معاناة حقيقة للغالبية العظمى من التلاميذ مع الكتابة الإنشائية الفلسفية، إذ تعوزهم القدرات والمهارات التي تستدعيها هذه الكتابة كتجسيد لممارسة عقلية إبداعية.

1.               الأخطاء اللغوية/ الأسلوبية:
بالنسبة لهذا النوع من الأخطاء سجلت في أوراق التلاميذ التي صححتها الأخطاء التالية:
·                     غياب النقط والفواصل: فمعظم التلاميذ لا يستخدمون الفواصل أثناء الكتابة، وإن استعملوا النقط فهم يضعون نقطة بعد كتابة أربعة أسطر أو أكثر.
·                     الركاكة أو عدم التعبير بدقة عن الأفكار: وهذا مؤشر في نظري على ضعف الرصيد اللغوي لدى التلميذ والناتج بدوره عن قلة أو انعدام المطالعة.
·                     وجود الأخطاء النحوية والتركيبية: وهي مسالة ترجع أيضا إلى ضعف رصيد القراءة لدى التلميذ.
·                     عدم وضوح الخط: وهي ملاحظة تنطبق على بعض الأوراق التي لا يتمكن المصحح من قراءة جملها وكلماتها، فكيف به أن يستوعب ما تحمله من مضامين وأفكار، والنتيجة هي نقطة سلبية تمنح للتلميذ.

2.    الأخطاء المنهجية :
أخطاء تتعلق بالتمهيد:
·    التمهيد غير المناسب: فمن المعروف أن الكتابة الإنشائية الفلسفية المتعلقة بتحليل النص ومناقشته تبدأ بتمهيد يكون الغرض منه هو التأسيس لطرح الإشكال المتضمن في النص.
لذلك يجب أن يراعي التلميذ أن يكون هذا التمهيد مستمدا من النص، أو على الأقل مناسبا لموضوعه ويؤدي الوظيفة المتوخاة منه، وهي إعطاء مبررات لصياغة الإشكال الكامن في النص. لكن، وللأسف، فكثير من التلاميذ يكتبون أشكالا من التمهيد تكون جاهزة، ولا توجد بينها وبين الصياغة الإشكالية روابط قوية ومتماسكة.
·      التمهيد المطول: والذي يفوق طوله أحيانا طول التحليل والمناقشة (العرض) نفسه، وغالبا ما يتضمن أفكارا ومعلومات هي مجرد حشو زائد لا علاقة عضوية تجمعه بالطرح الإشكالي.

ü      أخطاء تتعلق بالإشكال :
    ويمكن أن نشير هنا لما يلي:
·         غياب الربط بين التمهيد والإشكال: وهو ما أشرنا إليه سابقا.
·     إسقاط إشكالات وتساؤلات على النص من الخارج، وهذا غير مقبول، إذ يجب أن يكون الإشكال مستمدا من داخل النص، ومعبرا بصدق عن الإشكال الحقيقي الكامن فيه.
·     غياب الطرح الإشكالي أحيانا: إذ وجدت بعض الأوراق – وهي قليلة على أية حال– لا يطرح أصحابها إشكال النص بل يكتفون بتقديم عام يعقبه عرض لمواقف الفلاسفة.
·     غياب الدقة في طرح الإشكال: إذ غالبا ما يطرح التلميذ إشكالات زائفة أو خاطئة لا يستدعيها النص ولا تعبر عن جوهر الطرح الإشكالي الثاوي فيه.

أخطاء تتعلق بالتحليل:
    ويمكن أن نسجل ما يلي:
·     غياب التحليل نهائيا: إذ وجدت أن بعض مواضيع التلاميذ يغيب فيها تحليل النص نهائيا، أي أن التلميذ يكتفي هنا بطرح الإشكال وتقديم مواقف الفلاسفة، دون أن يكلف نفسه عناء الاشتغال على النص، وهذا من الأخطاء المنهجية الخطيرة.
·     اقتصار التحليل على مجرد تكرار عبارات النص: حيث وجدت بعض التلاميذ لا يمتلكون المهارات اللغوية والقدرات العقلية على تفكيك عبارات النص والبحث عن دلالاتها العميقة،  والتعبير عن كل ذلك بأسلوب لغوي خاص، فيكتفون بمجرد تكرار عبارات النص ونقلها حرفيا وكأنهم مجرد آلات كاتبة وليسوا كائنات عاقلة ومبدعة.
·         عدم إغناء النص بمعلومات وأمثلة من رصيد التلميذ: فيتم الاقتصار على مجرد الشرح اللغوي والمقتضب للنص وفقراته.
·     الفهم الخاطئ لعبارات النص: وهذا ناتج في نظري عن قلة احتكاك التلميذ بالنصوص الفلسفية وعدم تمرسه على تحليلها، مما يجعله لا ينتبه عادة إلى كلمات النص، والتركيب الذي جاءت وفقه، والمعنى الذي تستهدفه، فيحملها معاني خاطئة غير تلك الكامنة فيها على وجه الدقة.
·     غياب المستويين الحجاجي والمفاهيمي في تحليل النص: إذ يقتصر بعض التلاميذ على مجرد عرض أفكار النص بشكل مختصر دون توضيح الأساليب الحجاجية (مثال، مقارنة، استشهاد، تشبيه...) التي استخدمها الفيلسوف أو المفكر إما لإثبات أطروحته أو دحض أطروحات أخرى.
·         عدم توضيح المفاهيم الأساسية في النص والعلاقات الموجودة بينها: وهو ما يساعد على ضبط تمفصلات النص والكشف عن أطروحته الحقيقية.

أخطاء تتعلق بالمناقشة:
    ويمكن أن نشير هنا إلى ما يلي:
·     غياب الربط بين التحليل والمناقشة: إذ من المفترض بعد الانتهاء من تحليل النص واستخلاص أطروحته النهائية أن يطرح التلميذ تساؤلا حول هذه الأطروحة لنقدها وتبيان حدودها، من أجل التمهيد لمناقشتها لاحق. لكن ، وللأسف ، كثيرا من التلاميذ ينتقلون من لحظة التحليل إلى لحظة المناقشة دون أي رابط يذكر.
·     غياب المناقشة الداخلية: إذ يستحسن أن تتضمن المناقشة مستويين، مستوى المناقشة الخارجية التي يعرض فيها مواقف فلسفية متنوعة إما مؤيدة للنص والدخول في سجال معه. ولا شك أن الدخول في مثل هذا السجال مع النص هو تعبير عن لحظة تفلسف وإبداع عقلي لا يقوى عليها إلا التلاميذ النجباء.
·     غياب المناقشة نهائيا: وهذا خطأ نادر بطبيعة الحال، إذ يكتفي بعض التلاميذ – وهم قلة – بالوقوف عند مستوى تحليل النص دون مناقشته، ولعل هذا راجع إلى الخواء المعرفي لدى التلميذ.
·     عدم ربط مواقف الفلاسفة بالنص: إذ يكتفي كثير من التلاميذ بعرض مواقف الفلاسفة كما التقطتها ذاكرتهم من الدرس، دون إدخالها في حوار مناسب وحقيقي مع أفكار النص وأطروحته، وهذا يؤدي إلى وجود هوة أو فجوة واضحة بين لحظة التحليل ولحظة المناقشة وكأننا أمام موضوعين منفصلين.
·     عدم التوسع في عرض مواقف الفلاسفة: إذ يكتفي التلميذ هنا بتقديم أطروحة الفيلسوف في سطرين أحيانا دون أن يقدم بعض التفاصيل والجزئيات التي تستدعيها هذه الأطروحة وترتبط بها، والنتيجة هي أن موضوع التلميذ يأتي ضعيفا وشحيحا من الناحية المعرفية.
·     غياب مواقف فلسفية متعارضة في المناقشة: حيث يكتفي بعض التلاميذ بعرض موقف أو مواقف فلسفية مدعمة لأطروحة النص، ويتم بالمقابل تغييب المواقف الفلسفية المعارضة لها، وهذا لا يتناسب مع طبيعة التفكير الفلسفي الذي يقوم على الاختلاف في الرأي وتقديم مقاربات متعددة بصدد الإشكال قيد المعالجة.
·     الحشو: وهو تقديم بعض المعارف الفلسفية التي لا تخدم مناقشتنا للنص ما دامت تبتعد عن جوهر الإشكال المطروح فيه، وحتى ولو كانت تلك المعارف صحيحة تظل مع ذلك بدون قيمة إذا لم تكن تتمحور حول الإشكال الذي تمت معالجته في الموضوع.

أخطاء تتعلق بالخاتمة:
    يمكن أن نذكر هنا ما يلي:
·     غياب الخلاصة التركيبية: هناك بعض المواضيع من ضمن الأوراق التي صححتها لا نجد فيها أية خلاصة تركيبية، إذ يقف التلميذ عند حدود الانتهاء من المناقشة دون أن يعرض الخلاصات والنتائج التي انتهى إليها الموضوع.
·     الخلاصة الجاهزة وغير المتناسبة مع التحليل والمناقشة: حيث وجدت بعض التلاميذ يأتون بخلاصات جاهزة يحفظونها عن ظهر قلب ويزجون بها في الموضوع زجا، وهذا غير مقبول بتاتا، إذ أن المطلوب أن تكون الخلاصة تركيبا لما سبق، ومتناسبة مع ما تم تقديمه في العرض، وأنها مرآة تعكس نتائجه الحقيقية.
·     تضمن الخلاصة لنتيجة لم يتم الانتصار لها في لحظة العرض: واقصد أن التلميذ يعالج الإشكال انطلاقا من تحليله للنص، ثم يقدم بشكل محايد موقفين فلسفيين متعارضين، أحدهما مؤيد للنص والآخر معارض له، ثم يأتي في الخلاصة النهائية ويعلن انتصار احد الموقفين الفلسفيين، وهذا غير مقبول في نظري إلا إذا قدم التلميذ مبررات أثناء العرض توضح انتصاره لهذا الموقف الفلسفي دون ذاك، مع تدعيم ذلك بحجج وأدلة، وقد يكون هذا الانتصار لصالح النص ومؤيديه أو لصالح معارضيه. في هذه الحالة الأخيرة فقط يمكن للخلاصة أن تكون تعبيرا عن الأطروحة التي دافع عنها التلميذ وإنجاز للفلاسفة الذين عبروا عنها.
أما إذا كان التلميذ محايدا، لا يدافع عن النص أو معارضيه، فإن عليه أن يعبر في لحظة العرض عن انتقاده و عدم تبنيه للأطروحتين   معا ، و يقدم بالمقابل موقفا جديدا هو عبارة عن تركيب بينهما أو يتجاوزهما معا ، و بطبيعة الحال يجب عليه أن يعكس كل ذلك على مستوى الخلاصة النهائية.
إذا فما نريد التأكيد عليه هو أن الخلاصة تعكس بصدق وبكيفية تلقائية عما تم تبنيه وعرضه في لحظتي التحليل والمناقشة، ولذلك فمن الخطأ أن يظل التلميذ محايدا منذ بداية الموضوع إلى نهايته، ثم يأتي في الأخير ويعلن بشكل فجائي عن موقفه مشفوعا بحجج ومبررات. إن هذا غير مستساغ، إذ يفترض أن يبرز التلميذ ذاته في كل أجزاء الموضوع، منذ بدايته إلى نهايته، فهو مطالب، مثلا ، بعد الانتهاء من تحليل النص أن يناقشه داخليا، وهذه المناقشة ولا شك هي تعبير عن موقف التلميذ من أفكار النص وأطروحته فإذا كان مساندا لها فعليه أن يوضح مساندته أيضا للمواقف المدعمة لها، وإن لم يكن مساندا لها فعليه أن ينتقد مؤيديها ويساند معارضيها. وكل هذه العمليات يقوم بها التلميذ أثناء العرض، وهي تعكس ولا شك موقفه الشخصي الذي نضطلع عليه قبل الخلاصة النهائية، وتكون هذه الأخيرة مجرد تحصيل حاصل إذ يتم توقعها مسبقا.

·     السؤال المفتوح المشابه للإشكال الذي تم معالجته: وهذا من الأخطاء التي عثرت عليها أيضا في مواضيع التلاميذ، إذ يقوم هؤلاء بطرح سؤال مفتوح في الأخير هو نفسه الإشكال الذي تم معالجته في الموضوع، وهذا غير مقبول إذ يجب أن يكون السؤال المفتوح مغايرا لذلك الذي تضمنه النص وتمت مناقشته من طرف الفلاسفة لكي يكون بينهما رابط ما، إذ أن الخلاصات والنتائج التي تتضمنها الخلاصة النهائية والتي تكون بصدد مناقشة إشكال النص، هي التي توحي في الحقيقة بطرح السؤال المفتوح في الأخير فيكون معبرا عن نوع من النقد وتبيان حدود هذه الخلاصة النهائية نفسها وصعوبة تبنيها بحذافيرها وقبولها من شتى الأوجه.

شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes