الرغبة والإرادة : جيل دولوز

                                           المحور الثاني: الرغبة والإرادة
تحليل نص جيل دولوز



تأطير النص:
يدخل هذا النص المقتبس من (L’anti-Oedipe) لجيل دولوز وفيليكس غتاري في إطار ردهما على أطروحة التحليل النفسي حول الرغبة، فالتحليل النفسي اعتبر الرغبة مشتقة من الحاجة وألح كثيرا على طابعها اللاواعي كما أنه انتهى إلى اعتبارها نقصا أصليا غير قابل للإشباع النهائي والواقعي، مما يجعلها تتخذ أوضاعا "مرضية" من خلال تحولها إلى إنتاج استيهامات وتخيلات بهدف التعويض. ومقابل هذا التصور الباتولوجي الميتافيزيقي للرغبة، يحاول دولوز وغتاري بناء نظرية جديدة تؤسس لتصور واقعي وتاريخي للرغبة باعتبارها حضورا في الواقع وليس غيابا ميتافيزيقيا. إن الرغبة لا تنتج الوهم إنها تنتج المعنى.

صاحب النص
جيل دولوز : Gilles Deleuze فيلسوف وناقد أدبي وسينمائي فرنسي. (ولد في باريس سنة 1926 وتوفي في سنة 1995)، له العديد من الكتب التي تتناول الفلسفة وعلم الاجتماع. اهتم بوجه خاص بدراسة تاريخ الفلسفة، ألف العديد من الكتب ومنها "نيتشه والفلسفة" (1962) و"فلسفة كانط النقدية" (1963)  و"منطق المعنى" (1963). و"الاختلاف والتكرار" (1968) وله العديد من الدراسات حول الأدب والفن والسينما والتحليل النفسي..

إشكال النص
ما هو مصدر الرغبة...؟
هل ترتبط الرغبة باستيهامات وخيالات لاشعورية فردية، أم بموضوعات واقعية...؟

لفهم النص
-   موقف مدرسة التحليل النفسي: اعتبر هذه المدرسة على أن الرغبة مشتقة من الحاجة، وألحت كثيرا على طابعها اللاواعي، حيث ربطتها بالانتاجات اللاشعورية أو بالعالم النفسي الداخلي اللاواقعي "ماهية الغياب". أي في إنتاج الاستيهامات كشكل من الهروب اللاشعوري من الواقع الذي لا يسمح بتحقق الرغبة، بهدف خلقها وإنتاجها في عالم الخيال.
-   موقف جيل دولوز وغتاري: يحاول جيل دولوز وغتاري بناء نظرية جديدة، تؤسس لتصور مختلف للرغبة، باعتبارها حضورا في الواقع وفي الحياة الاجتماعية والثقافية والتاريخية للناس، أي أنها ذات إنتاج خارجي وليس داخلي، وهي واقعية ترتبط بالمحيط الخارجي للفرد. ومن هنا تعتبر الحاجات شكلا ثانويا من أشكال تمظهر الرغبة.

أطروحة النص 
ينطلق النص من فكرة أن الرغبة هي افتقاد للموضوع وغياب له في الواقع، ومن ثمة فهي تمثل نقصا يتم تعويضه أو استبداله حسب التحليل النفسي في إنتاج الاستيهامات كشكل من الهروب اللاشعوري من الواقع الذي لا يسمح بتحقق الرغبة بهدف خلقها وانتاجها في عالم الخيال. ليستنتج جيل دولوز من خلال تحليله السابق أن نظرية التحليل النفسي باختزالها للرغبة في إنتاج الاستيهامات أي إنتاج موضوعات خيالية وغير واقعية للإشباع تكون نظرية ميتافيزيقية مثالية.
مقابل وجهة نظر التحليل النفسي يقترح دولوز تصورا مختلفا للرغبة باعتبارها حضورا في الواقع وفي الحياة الاجتماعية والسياسية للناس... إن الرغبة هي الخروج من حالة القصور والانغلاق المرضي على الذات، إنها إنتاج للحياة داخل المجتمع عبر الفعل .. إن كل نشاط إنساني هو رغبة وبهذا المعنى فإن الرغبة لا تستند إلى أية حاجة، لأنها امتلاء وليس خصاصا وافتقادا، بل الحاجات هي التي تعتبر شكلا ثانويا من أشكال تمظهر الرغبة.. نستطيع إدراك ذلك عندما نفهم أن الإنتاج الاجتماعي سواء تجلى في بعده التقني أو الاقتصادي أو الثقافي هو إنتاج للرغبة (للثقافة) وليس للحاجة (الطبيعة)، بل إن الحاجة نفسها أي الطبيعة هي إنتاج ثقافي إنساني.  وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كانت الطبيعة نفسها جزءا من الثقافة، يصبح من غير المجدي البحث عن وسائط لحل تناقض غير موجود أصلا. إن الصراع الحقيقي والواقعي إذن ليس صراعا بين الطبيعة والثقافة أو بين الرغبة والافتقاد، إنه صراع بين أنماط مختلفة ومتجددة للحياة الاجتماعية وهذا الصراع هو نفسه الواقع وهو نفسه الرغبة. 
مفاهيم أساسية
-       الإرادة: ملكة يملكها الكائن المفكر من أجل أن يقرر فعل شيء وفق أسباب مختلفة، الشيء الذي يفترض الوعي والتأمل
-       الواقع: المعطى الفعلي والملموس، في مقابل العالم العقلي أو المثالي أو الممكن أو الوهمي
-       استيهام: تصور تحليلي لاشعوري، تستحضر فيه صورة الشيء الغائب لمحاولة إشباع رغبة ما.
-   اللبيدو  libido كلمة لاتينية ومعناها: التلذّذ استناداً إلى شهوة حسية. وفي ضوء التحليل النفسي هي الطاقة النفسية الأساسية للكائن الحي، وقد ارتبطت في البداية بالطاقة الجنسية، ولكن بعد اكتشاف غرائز الموت، وغرائز الحياة، أصبحت تعني طاقة الحياة النفسية للكائن الحي.
حجاج النص:
اعتمد النص على العناصر الحجاجية التالية من اجل عرض ودعم أطروحته:
1.  عرض النص في البداية أطروحة التحليل النفسي التي ترى في الرغبة غيابا للموضوع الواقعي، فيلتجأ الإنسان للاستيهامات كتعويض له.
2.  يفسر النص الأطروحة السابقة من حيث أن الموضوع الواقعي المفتقد في الرغبة يتجه الى ان ينتج خارج الذات، فيقترن بموضوع متخيل.
3.     ينتقد النص الطرح التقليدي النفسي للرغبة من حيث انه يسقط في نوع من المثالية والماورائية (الميتافيزيقية).
4.     قدم النص أطروحته التي تجعل من الرغبة إنتاج للواقع وبالتالي فهي مع موضوعها شيء واحد.
5.      أخيرا يؤكد النص على الطابع الاجتماعي للرغبة التي تبقى مرتبطة بالسياق التاريخي.

خلاصة تركيبية

إذا كان التحليل النفسي والفلسفة المثالية قد نظرا إلى الرغبة باعتبارها مرتبطة بالفرد وبالحاجة وباللاوعي وبالنقص/ الافتقاد غير القابل للإشباع النهائي، فإن الخروج من ميتافيزيقا الرغبة يتطلب النظر إليها نظرة إيجابية وموجبة أي اعتبارها محركا لإرادة الفعل الإنساني في التاريخ من حيث هو فعل ذو أبعاد متعددة : مادي / بيولوجي / ثقافي/ سياسي...
شاركه على جوجل بلس

عن rami meknes